مالك ابن نبي
مشكلات الحضارة: القضايا الكبرى لمالك بن نبي : المحاضرة الثانية: مشكلة الثقافة
المحاضرة الثانية: مشكلة الثقافة
عند محاولة الإجابة عن سؤال ما هي الثقافة يتضح لنا من الناحية العلمية مشكلة تصور الواقع الاجتماعي القائم و من الناحية الاجتماعية تتمثل في المواقف التي من الواجب اتخاذها لمواجهة هذا الفراغ الإجتماعي، فالأولى تتمثل في توضيح الفكرة أما الثانية فتتمثل في تطبيقها، لأن الصلة بين الثقافة و الفعالية أي تطبيقها هي التي يكون الفرد الذي مع تكوينه يتكون المجتمع و معه تبرز النهضة باعتبار أن الحضارة ليست إلا التعبير عن الفرد في بيئته مع تأثير فترة زمنية عليه ليخلق بعدها كل منتجات الحضارة بصورة عامة، و خير مثال ألمانيا أو اليابان بعد الحرب العالمية فالفرد الألماني أعاد بناء بلاده من وجهة النظر الإجتماعية مبنيا في ذلك على ثقافته لا غير. على هذا فإن مشكلة الثقافة في بلد متخلف محددة بكل وسائل و معطيات التخلف بواسطة المعطى البشري أولا وبالذات. ولذا مشكلتنا حاليا تكمن في الفعالية التي يجب اكتساب العادات الضرورية لنا و التخلص من المعطيات الحالية التي تعوق نمونا وتطورنا ، لذا يتعين علينا أولا أن نكون رصيد ثقافي فعال و نصفي بالضرورة الرصيد الحالي من الرواسب، فعلى سبيل المثال يرسل الأطفال حاليا للمدارس لا لكي يتم إعدادهم للقيام بواجباتهم، و لكن لكي يتم تهيئتهم للفوائد.
إذن فقد قلنا أن التخلف هو نتيجة أو حاصل اللافعالية الفردية، مما ينجم عنه فقدان للفعالية على مستوى المجتمع ، وأن اللافعالية لا يمكن تخفيضها بواسطة تكوين يقتصر على التصور مثل حال مدارسنا حاليا ، و أن مشكلة السلوك ترجع إلى الثقافة، و لكن يجب إعداد هذه الثقافة ضمن إطار اجتماعي يشمل جميع فئات المجتمع ولا يقتصر على صنف معين ضمن إطار و سلوك فعال.
فمختصر الكلام في قوله تعالى " تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر " ففي حالتنا لو أردنا أن نؤول الآية الكريمة لقلنا بأن الأمر بالمعروف هنا هو تعديل الثقافة و الفعالية للفرد والنهي عن المنكر التخلص من الرواسب المعيقة له. و بعد إرساء معالم واضحة يجب الدفاع عنها بحيث تزرع في الفرد ذلك التبادر الذي يقوم به بتقويم أخطاء غيره من حيثما أتت و أينما كان مصدرها.
و لذا فيتعين علينا أن ندخل في تحديد ثقافة ما علاوة على المعطى الأخلاقي والجمالي مفهوم المنطق العملي في الوقت ذاته ، آخذين مثال الدول النامية التي سبقتنا إلى ذلك بتطبيق هذا المنطق باعتباره المنهج الذي يلم بتنظيم العمل بشكل منم ليشمل بذلك جميع أشكال النشاط كافة ، يقوم به الراعي و العالم على حد سواء.
فالثقافة ما هي إلا تركيب متآلف من الأخلاق و الجمال و المنطق العملي. فإذا نجحت البلاد في تحقيق هذا التركيب ، تكون قد حددت أسلوبها في الحياة العامة، و السلوك الفعال لكل فرد من مواطنيها ، و بالتالي خلق مجموع الشروط التي تهيؤها لمواجهة مشاكل التخلف. تثقيف الفرد و تمكين المجتمع من إثارة القضايا الحقيقة و مناقشتها يؤولها للدخول لحضيرة الثقافة و يزيحها تدريجيا من درب التخلف.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق