مالك ابن نبي
مشكلات الحضارة: القضايا الكبرى لمالك بن نبي : المحاضرة الثالثة: مشكلة المفهومية
المحاضرة الثالثة: مشكلة المفهومية :
كل شعب يجب أن يصنع تاريخه بوسائله الخاصة ، و التاريخ في أي مستوى من الحضارة يتم إنجازه ، إنما يمثل النشاط المشترك للأشياء و الأشخاص و الأفكار المتاحة في ذلك الحين بالذات أي في الوقت الذي يواكب عملية إنجازه.و العمل بطبيعة الحال ما هو إلى نتيجة كانت سابقة الوجود في الفكر و في المخيلة، و العمل المشترك يستلزم بطبيعة الحال تنظيم و تنسيق المعطيات و خاصة الأفكار التي تنهض بالنشاطات الفردية ، فعندما يجد المجتمع نفسه أمام محنة حاسمة من محن تاريخه لا يستطيع التفوق عليه ضمن العمل الذي يتم تصوره ضمن المعايير المعتادة، فإنه يكون مرغما على قلب هذه المعايير و إعطاء العمل صفته الثورية، و عندئذ يصبح العمل كل طاقة الشعب المحتشدة لاجتياز محنة حاسمة، و في مثل هذه الفترات لا تتمثل المسألة في العمل من أجل مجرد العيش و لكن من أجل البقاء ، مثل مثالنا السابق ألمانيا فقد قدم كل طفل و رجل و امرأة ساعتين إضافيتين من العمل للوطن و هذا الرأسمال المتضخم من الساعات هو الذي صنع تلكم المعجزة و التاريخ حفظ خطاب أحد قادة ألمانيا بقوله " ينبغي على الدولة البروسية أن تعوض بطاقتها الروحية قوتها المادية التي فقدتها"، إلا أن هذا الأمر الذي يقود الشعب، عندما تتعلق القضية بمصيره إما إلى ميادين القتال أو إلى ميادين و مصانع العمل، لا ينبعث من العدم و لا من صرخة الألم التي يطلقها إنسان مقهور، و انما من روح الشعب ذاته، من تقاليده و من تاريخه، و من كلما يجعل عمله أو نضاله مقدسا في ناظريه، و قد جاء الدين و معه مفهوماته الدينية فروض الطاقة الحيوية للإنسان ، وجعلها مخصصة للحضارة ، فيضع الحرية الفردية بين حدود عمل المجتمع و مقتضيات الحرية الخاصة بهذا المجتمع ، و التشريعات المدنية لا يمكنها أن تخل بهذا التوازن دون أن تعرض نظام المجتمع للخطر في الداخل و كرامته في الخارج.
لترسيخ المفهومية لدى الوعي الفردي يتوجب على الحكومة تقييد الحرية نوعا ما فحرية البلاد إنما تنشأ مع هذه التقييدات للحرية الفردية ثم يتبقى للحكومات طريقين الأول الذي يقدم مصلحة الدولة على ما عداها والثاني إما ترسيخها في الأفراد عن طريق تربية كل فرد بطريقة تجعل سلوكه راضخا لمراقبة وازعه الأخلاقي.
و إذا فإننا في هته المرحلة التي تفرض علينا التفكير في مشاكل البلاد البنية القاعدية لها و نعني بذلك كما أسلفنا سابقا العناصر الثلاثة الأساسية المكونة لها و هي الفرد و الوقت و البيئة و أنها هي التي يجب أن تثار قبل غيرها ، كما يجب أن نوجد القاسم المشترك لحلول هته المشاكل و هذا القاسم يكمن في المفهومية الجماعية بين الأشخاص و الوعي العام لديهم و التي يتوجب عليها أن تكون فنا صياغيا تجاه الأشياء و منهجا على صعيد الأفكار.
فالمسألة هنا لا تتمثل في تلقين أو إعادة تلقين المسلم عقيدته، و لكنها تتمثل في إعادة تلقينه استخدامها و فعاليتها في الحياة. و لكن إذا كنا نحتاج إلى سياسة واضحة و إلى مفهومية ركينة وطيدة، فإنه يتعين علينا كذلك أن نمتلك أفكارا فعالة باعثة، ومشكلة الأفكار توضع ضمن نفس الحدود تقريبا.
لقد عانى المسلم في عصرنا الحديث من تقهقر المجتمع الإسلامي منذ بضعة قرون، فهو الإنسان الذي خرج من الحضارة و كابد مؤثرات التقهقر حتى من وجهة النظر الذهنية، وهذا الإنسان لا يزال في السن النفسية المطابقة لعالم الأشياء فهو مجرد من ثقته في عالم الأفكار ، فالفكرة لا يتم تقييمها لديه كوسيلة للنشاط الإجتماعي أو الثقافي أو الاقتصادي، باعتبارها الشبكة العقلية التي ينسج عليها هذا النشاط و إنما هي مجرد حلية للفكر المتميز ، و ترف زائد…
المفهومية ليست مجموع أفكار شتيته، و إنما هي المسيرة للطاقات و السهم الذي يعين للجماعة طريقها في التاريخ، إنها الحركة التي تطبع على اليد و على الفكرة في اتجاه محدد، و يتعين على مفهوميتنا أن تحقق هذه التركيبة المتآلفة للنشاط الفردي و الجماعي، على صعيد أرفع مقايسة نظرية ، و في نطاق المراس العملي الأكثر شيوعا سواء بسواء . دون أن تنسى صياغة بواعثنا المعللة في أخذها بعين الاعتبار الشروط الداخلية والخارجية معا.
و رسالتنا تبقى حاليا كما كانت منذ ستون عاما البناء و الحضور و المساهمة ، ففي الداخل يطلب منا بناء حضارتنا و في الخارج نساهم في النشاطات الإنسانية المشتركة، و بقدر ما يزداد ارتفاع الغاية و بعد مسافتها ، بقدر ما يتعين على الإنسان السائر صوب هذه الغاية : أن يمتد طبقا لمقياس مهمته.
قال تعالى " لو كان عرضا قريبا ، و سفرا قاصدا لاتبعوك ، ولكن بعدت عليهم الشقة "
و الآن لدينا هدف يرتفع في أعماق الشعوب وهو الذي يزن وقع خطونا على دروب التاريخ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق