مالك ابن نبي
مشكلات الحضارة: القضايا الكبرى لمالك بن نبي : المحاضرة الأولى : مشكلة الحضارة
بسم الله الرحمن الرحيم
لطالما قيل أن هناك الإنسان و الإنسانية ، و لمزيد من الإيضاح ففي ظل الإمبراطورية الرومانية مثلا لم تكن جميع الشعوب معروفة و لكن فقط تلك النخبة المنتقاة ، و بالطريقة نفسها لم يكن للإنسانية في القرن التاسع غير ذلك الجزء الإنساني المثبت في إطار الدولة الإسلامية و هذا ما يفسر لنا أنه حين نفكر في معنى الإنسانية نفكر فقط في الجزء الشمالي و ليس في سكان أفريقيا الوسطى مثلا .
فالجنس البشري لم يجتز يوما كتفا بكتف مختلف المراحل من التاريخ العالمي ، و ظلام القرون الوسطى لم يكن شاملا العالم كله و القرن العشرون ليس قرن الفضاء لكافة الشعوب .
المحاضرة الأولى : مشكلة الحضارة
لقد ولدت العديد من الأجيال داخل ضباب اجتماعي و إنه لمن العسير أن يشق الإنسان طريقا معينا ، حتى لينتهي الفرد نفسه إلى فقد الصلة مع المجموع و مع الجماعة الأمر الذي يفضي إلى تقوض الصلات الاجتماعية على هذا المنوال. فالفرد يولد متشائما في بلاد سد المستقبل أمامه فيها فاقدا الدوافع الوجودية الباعثة التي تتيح للإنسان أن يكرس نفسه للحياة أو الموت من أجل شيء معين.فالمسألة تقتضي منا تسليط الضوء على هذا الطريق الضبابي حتى يتمكن الفرد من إيجاد الهدف المقصود دون الإغفال عن وضعيتنا الراهنة أو تاريخنا الماضي أو بشروطنا الموضوعية، فما هي الشروط ؟
بداية يطلق مصطلح الشرط عند علم الاجتماع و هو "التخلف" لدى العالم الثالث والذي يعاكسه مصطلح مخالف له وهو "النمو" فإذا أخذنا على سبيل المثال مفهوم متوسط الدخل الأدنى أو المناسب الذي يمكننا أن نعتبره كافيا لتلبية حاجات بلاد متخلصة كليا من مظاهر التخلف فهذا الدخل يمكننا اعتباره العتبة المفضية إلى النمو.
و إذا حاولنا وضع المثال على خريطة تظهر بوضوح أوجه الفرق بين البلدان النامية والمتخلفة عن النمو لأن تحديد مكان الوقائع الاقتصادية يمثل في نفس الوقت تحديدا لمكان أسبابها وعواملها فكل مساحة تحتوي في داخلها على حقيقتها الاقتصادية الخاصة بها، كما تحتوي على سائر الأسباب التي تفسرها ، فالنمو والتخلف يفسر كل منهما داخل المساحة التي تكتنفه.
فإننا باستخلاص درس من تجربة معاشه غنية و حية و تقع نتائجها تحت أبصارنا مع بقائنا أحرار في تحوير حدودها إذا لزم الأمر حتى نتمكن من تكييفها مع حالتنا الخاصة، و هذا بشرط أن نحترم قانونها.
و من ثم فالحضارة هي التي تمنح إذن للمجتمع مع هذه القدرة الاقتصادية تميزه بخاصيتها كمجتمع نام، فتعريف الحضارة إذن يصبح مجموع الشروط الأخلاقية و المادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقدم لكل فرد من أفراده في كل طور من أطوار وجوده منذ الطفولة إلى الشيخوخة المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطوار نموه ، و لذا فنحن فعندما نريد أن نضع أصل النمو الاقتصادي للحضارة الراهنة موضعه يجب ذكر جميع الظروف التاريخية التي خلقت فيها بذور الأفكار ، وكل إنشاءات هذه الحضارة ، فالعباقرة والمفكرين ليسوا هم من صنعوا النهضة وإنما هذه الأخيرة هي التي أوجدتهم و لذا نخلص إلى القول بأن الحضارة هي التي توجد منتجاتها وليست المنتجات هي التي تصنع الحضارة.
لقد كانت للبلدان العربية إبان فترة الاستعمار من قبل فرنسا أو إنجلترا أو إيطاليا العديد من الوضعيات القانونية و السياسية حسب بلدانها المستعمرة إلا أن الوضعيات الاجتماعية و الثقافية فلم تتغير بتغير المستعمر و ظلت واحدة بحسب التقريب، ذلك أن العوامل المحلية تحقق التباين والاختلاف بينما العوامل العامة تحقق الوحدة و مشاكل العالم العربي تتمحور حول هاته الأخيرة ذلك أنها مشاكل الحضارة، و ترتب الإهمال الذي عقب الاستعمار النتيجة التي نعيشها فقد اقتحمت السيارات و الهواتف العالم الإسلامي منذ القدم و لكن مشاكل التخلف لازالت راسخة القدم داخل هذه البلدان فبدل صنع حضارة نسخنا حضارة و كدسنا منتجاتها.
و الواقع أننا عندما نسأل التاريخ، نجد أن الحضارات قد تشكلت ضمن ظروف هيمنت عليها فكرة الخلاص و سيطرت على وعي الإنسان حتى غيرت اتجاهه، وهذه الفكرة لا تشكل صياغتها و لا تصبح حاسمة إلا أمام خطر مرعب لا أمام خطر ناتج من الطبيعة و كن إزاء خطر أخروي و غيبي ومثلنا على ذلك الحضارات المسيحية أو الهندوسية أو البوذية أو الإسلامية، فكل هذه الحضارات قد شكلت تركيبها المتآلف الأصلي للإنسان والبيئة والزمن في مهد الفكرة الدينية التي دمجت العناصر الثلاثة، فالفكرة الدينية تتدخل إما بطريقة مباشرة وإما بواسطة بديلاتها اللادينية نفسها في التركيبة المتآلفة لحضارة ما، و في تشكيل إرادتها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق