مالك ابن نبي
مشكلات الحضارة: القضايا الكبرى لمالك بن نبي : المحاضرة الرابعة: الديموقراطية في الإسلام
المحاضرة الرابعة: الديموقراطية في الإسلام
على الدولة الديموقراطية أن تعمل لخدمة السواد الأعظم من الناس ، و أن تطبق مساواة الجميع أمام القانون ، وأن تصب الحريات العامة في هوية المواطن ، و من واجبها أن تساعد الضعيف و تضع الجدارة في مكانها الأول . إن التوازن المتناسق بين مصلحة الدولة و مصالح الأفراد الذين يكونونه تؤمن الانطلاق السياسي والاقتصادي والفكري والفني للمدينة، وذلك بحماية الدولة من الأنانية الشخصية و بحماية الفرد عبر الدستور من تعسف الدولة.
تعتبر الديمقراطية ذات ثلاث أوجه تكمل إحداها الأخرى ، ديموقراطية نحو الأنا ، وديمقراطية متمثلة في الشعور نحو الآخرين ، و ديموقراطية الشروط الاجتماعية السياسية اللازمة لتنمية و تكوين هذا الشعور في الفرد، فهذه الأوجه الثلاثة تتضمن مقتضيات الديمقراطية الذاتية و الموضوعية، أي الاستعدادات النفسية التي يقوم عليها الشعور الديمقراطي في المجتمع ، فلا يمكن أن تتحقق الديموقراطية كواقع سياسي إن لم تكن شروطها متوفرة في بناء الشخصية و في العادات والتقاليد القائمة في البلد، فالديمقراطية خلاصة ثقافة معينة و تتويجا لحركة الإنسانية و تقدير لقيمة الإنسان ، أي تقديره لنفسه وتقديره للآخرين. و لتوضيح المعنى نعطي مثال العبد الذي يقول نعم لكل أمر من سيده فهو بذلك ينفي حقه للانا الخاصة به ، و في مثال ثان الملك المستبد الذي يأمر وإن لم يطع يستبد و يعاقب أي أنه ينفي جانبا من الشعور الديمقراطي، وبالتالي وسؤالنا هو : هل الإسلام يتضمن ويتكفل هذه الشروط الذاتية و الموضوعية، أي هل يكون نحو الأنا و نحو الآخرين الشعور الذي يطابق الروح الديموقراطية كما ذكرنا ، و هل يخلق الظروف الاجتماعية المناسبة لتنمية هذا الشعور.
يجب علينا أولا أن نفهم معنى الديموقراطية وهي أنها في أساسها ليست عملية تسليم سلطات تقع بين طرفين معينين ، بين ملك و شعب مثلا، بل هي تكوين شعور و انفعالات و مقاييس ذاتية واجتماعية ، تشكل مجموعها الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية في ضمير الشعب ، قبل أن ينص عليها أي دستور ، و الدستور ما هو غالبا إلا النتيجة الشكلية للمشروع الديمقراطي عندما يصبح واقعا سياسيا يدل عليه نص توحي عليه عادات و تقاليد ، و التقاليد التي أوحت به ، أو بعبارة أخرى المبررات التاريخية التي دلت على ضرورته. يمليه شعور في ظروف معينة ولا يكون أي معنى لهذا النص إن لم تسبقه العادات و وجوابنا إذن لا يتعلق ضرورة بنص فقهي بل بجوهر الإسلام و لذا فلا يجب اعتبار الإسلام دستور يعلن سيادة شعب معين بل كمشروع ديمقراطي تفرزه الممارسة و ترى من خلاله موقع الإنسان المسلم من المجتمع الذي يكون محيطه فترتبط حركته التاريخية بمبادئ الإسلام و تكون شعورا ذاتيا في نفس كل فرد من المجتمع.
يصح لنا الآن القول بان الحكم الإسلامي ديموقراطي في مصدره و عمله ، و الإسلام يتضمن كل السمات
التي تطبع الديمقراطية السياسية ، التي تمنح الفرد مسؤوليته في تأسيس الحكم و ديمقراطي ثاني نجد أن الإسلام أتى لمشكلات الحياة المادية المتصلة بالنظام الضمانات اللازمة التي تحميه من جور هذا الحكم ، وإذا قارنا بينه و بين حكم الاقتصادي بالحلول المناسبة دون المساس بحرية الفرد الذاتية ، وعليه فيبدو أن الإسلام وكأنه جمع موفق بين مزايا الديمقراطية السياسية و الديمقراطية الاجتماعية.
و لكن شعاع الروح الديموقراطية الذي بثه الإسلام ، ينتهي في العالم الإسلامي عندما يفقد أساسه في نفسية الفرد، أي عندما يفقد الفرد شعوره بقيمته وقيمة الآخرين ، و يمكن القول بأن الحضارة الإسلامية فقدت منذ فقدت أسسها المتمثلة في قيمة الإنسان.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق