مالك ابن نبي
مشكلات الحضارة: القضايا الكبرى لمالك بن نبي : المحاضرة الخامسة: إنتاج المستشرقين و أثره في الفكر الإسلامي
المحاضرة الخامسة: إنتاج المستشرقين و أثره في الفكر الإسلامي:
يجب أولا تحديد مفهوم المستشرق و هو الكاتب الغربي الذي يكتب عن الفكر الإسلامي وعن الحضارة الإسلامية و نجدهم على هذه الحالة ينقسمون إلى قسمين مادح للحضارة و منتقد لها مشوه لسمعتها ،و الكتب التي نشرت قديما في أوروبا كان لها قطعا الفضل في نهضة الحضارة الأوروبية ، و لكننا سنتجاهل في موضوعنا هذا أثر المشوهين و نختص بالمادحين لسبب وهو أنه لم يستوجب لدى المسلمين أو لم يجدوا في نفوسهم دافع لرد الفعل و الذي فقد جدواه ، و موضوعنا هنا أن نبين الثغرة التي منعت الدفاع عن الكيان الثقافي الاسلامي و أثرها في تطور أفكار المجتمع الإسلامي منذ قرن ، فلو رجعنا للتاريخ لوجدنا أن معظم الاقتباسات أو الاكتشافات من المصادر العربية كتبت لنصرة الحقيقة العلمية و للتاريخ من أجل المجتمع الغربي و كان لها الأثر البالغ في نفوس المسلمين، إن الجيل المسلم الذي ننتسب اليه حاليا يدين إلى هؤلاء المستشرقين الغربيين بالوسيلة التي كانت بين يديه لمواجهة مركب النقص و الذي اعترى الضمير الإسلامي أمام ظاهرة الحضارة الغربية، ولم تقتصر نتائجها على الأثر المحمود في تطور أفكارنا و ثقافتنا ، بل كان لها أثر مرضي ، إن أوروبا اكتشفت أو فلنقل استفادت من الفكر الإسلامي في مرحلتين الأولى من أجل إثراء ثقافته وكان ذلك في العصور الوسطى و التي هدتها للنهضة و في المرحلة الاستعمارية لأجل تعديل سياستها الخارجية مع دولها المستعمرة لما تقتضيه الأوضاع في البلاد الاسلامية لتحكم سيطرتها و سلطانها على الشعوب الخاضعة، و لأن العلم الاسلامي لم يكن حيا لينقل من أفواه أساتذته أو من كتبهم المعاصرة فأصبح المسلم يصدق ما يقال له من اكتشافات نسبها علماء الغرب لانفسهم و في ظل هذه الملابسات التي عانى منها العالم الاسلامي من أثر الصدمة الثقافية الغربية تركب للشعوب نقص محسوس من ناحية و محاولة التغلب عليه من ناحية ثانية ، و كان خلاص علماءنا ساعتها التزين بالزي الغربي حتى لو كان مجرد مظهر لا يحتوي أي قيمة حضارية حقيقة ، فتولد في المجتمع تيارات الأول مناهظ معتز بنفسه و بقيمه و الثاني يدعو لتمثل الفنون و العلوم و الاشياء الغربية فأدى به إلى تطور الشيئية و التكديس ، و مثل الأول مثل الذي يمسك فقيرا ليروي له عن تاريخ أجداده و ثرواتهم فهو يعزل ضميره و فكره مؤقتا و لكنه بالتاكيد لا يشفي واقعه ، فكان له أثرين الأول أنه حافظ بقدرما على عوامل الشخصية الإسلامية و الثاني أنه صب في هذه الشخصية الاعجاب بالشئ الغريب و لم يطبعها بما يطابق عصر الفعالية و السرعة و هنا تتجلى مليا عبارة الصراع الفكري في العالم الإسلامي ، و كل عمل أو محاولة لفرض ايديولوجيته أو معتقداته وقيمه على مجتمع معين يمكن تسميته بالاستعمار، ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن أي عمل قديما كان يتم تحت إشراف استعمار معين و يسرع أخصائيو هذا الاستعمار لدراسة أي فكرة أو حل يقدم لهذه الازمة فإن كانت فيه شحنة خطأ وسعواها و زادوا شحنها و إن وجدوا فيها بعض ما يفيد قللوا من شأنها و خفضوا قيمتها حتى لا تفيد وهذه هي القاعدة العامة في الصراع الفكري. و لا شك أن هذه النقطة تكشف جانبين أولهما حساسية الجماهير المسلمة لأمجاد ماضيها و الجانب الذي يكشف عن امكانية استغلال هذه الحساسية لإفلات تلكم الجماهير عن حاضرها . فيلتفت المجتمع عن مشكلة حضارته و يربط اهتمامه بمشكلات وهمية و يضيع وقته بحلول وهمية.
يجب أن نقف عند هذه الحقيقة وهي أن ما ينوب مجتمعا ما في منعطفات التاريخ الخطير ، ليس من قلة أشياءه و لكن من فقر أفكاره " كل الحضارات اختفت بسبب عدم كفاءة مبادئها " .
هكذا بقي الضمير الإسلامي منذ قرن في دوامة صراعه الباطني ، يسكنه أحيانا ما يكتبه المادحون، و يثيره أحيانا أخرى ما ينتجه المفندون في حلقة مغلقة مستهلكا أجدى الطاقات الفكرية في العالم الإسلامي من دون جدوى، مقارنة مثلا بأعمال ديكارت أو ماركس أو لينين الذين وضعوا إقدام شعوبهم باتجاه التطور التكنولوجي المعاصر ، وبالتالي الإنتاج الاستشراقي بكلا نوعيه كان شرا على المجتمع الإسلامي، لأنه ركب في تطوره العقلي عقدة الحرمان سواء في صورة المديح التي حولت تأملاتنا عن واقعنا في الحاضر و انغماس في النعيم الوهمي الموجود في الماضي، أو في صورة التفنيد و الإقلال من شأننا بحيث صيرتنا حماة ضد الظلم عن مجتمع منهار بينما كان الواجب الوقوف منه عن بصيرة طبعا من دون هوادة لا نراعي في كل ذلك سوى مراعاة الحقيقة الإسلامية غير مستسلمة لأي ظرف في التاريخ.
إن مراكز الاهتمام للعقل تتغير من عصر إلى آخر ومن حضارة إلى غيرها حسب التغيرات التي تحدث في المناخ العقلي بالذات ، و الإنسانية على العموم تمر بثلاث مراحل في تطورها النفسي ، فهي في عمرها الأول ، في طفولتها تصوغ كل أحكامها طبقا لمقاييس تتعلق بعالم الأشياء ، بحيث تكون أحكامها في أبسط صورها ، ثم في عمرها الثاني تصوغ أحكامها طبقا لمقاييس خاضعة لمبدأ القدوة أي صادرة من عالم الأشخاص فتكون قيمة الفكرة مرتبطة بالشخص الذي يجسدها في نظرنا ، ثم تبلغ الانسانية رشدها أي عمرها الثالث فتصبح الفكرة ذات قيمة في حد ذاتها دون أيما تأييد من طرف عالم الأشياء أو الأشخاص و نجد مثال لنا عندما كان المجتمع الإسلامي بسيط ويجد الإسلام في شخص الرسول يجسده فيه فنزلت الآية الكريمة " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل …" لتحرر المجتمع من هذا النوع من القيود لتقدم الفكر و العلم فدفعته من عالم الشيئية إلى عصر الفكر.
و بالتالي وجب أن نستخلص نتيجة تحدد موقفنا من إنتاج المستشرقين فنقول أولا ، إنه إنتاج لا يجوز نكران قيمته العلمية ولا طابعه الأخلاقي من شهادات نزيهة لشهود لهم قيمتهم كعلماء ، و لكننا نغفل جانبا أساسيا في الموضوع إذا لم نأخذ في حسابنا أن كل ما ينتجه العقل في هذا القرن خاضع لمقاييس الفعالية فلا يخلو من بعد عملي قد يستغل في ميدان السياسة و الانتفاع المفيد منه و التافه لتصبح وسائل لافتضاض الضمائر والعقول ، إن كل فراغ أيديولوجي لا تشغله أفكارنا، ينتظر أفكار منافية معادية لنا وهذه هي القاعدة العامة التي يخشاها مختصو الصراع الفكري ، فيطبقون اختصاصهم في منطقتهم الخاصة تبعا لخط ملتو بحيث يقضي الانتقال من مرحلة معينة إلى أخرى إلى مراحل وسيطة تفرض منعرجات ومنعطفات الطريق " في كل مرة يراد فيها خلع نظام من القيم يكفي وصفه أو التكلم عنه بكلمات غير مناسبة" .
والآن نتساءل : كيف يجب أن يكون عملنا الفكري في هذا الإطار ؟
إن الاستقلال السياسي لا يتم إن لم يدعمه استقلال اقتصادي ، و لا يمكن لمجتمع أن ينهض بنفسه بأفكار مستوردة أو مسلطة عليه سواء أكانت تمت إلى الاستشراق أو إلى غير ذلك ، و عليه فعلينا أولا أن نحدد موضوعات تأملنا و ألا نسلم بأن تحدد لنا ، و بكلمة فاصلة علينا أن نستعيد أصالتنا الفكرية و استقلالنا في ميدان الأفكار حتى نحقق بذلك استقلالنا السياسي والاقتصادي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق